Sunday, July 17, 2005

ولم أعرف اسمه !

كتب: حامد


مع أننا لسنا في رمضان (حين قابلته منذ عدة سنوات) ، وعلى الرغم من أنني لم أركب حافلات الجمعية التعاونية (حيث تجاورنا) منذ فترة كبيرة ، إلا أن صورته طفت اليوم بلا سبب على سطح ذاكرتي ، وكما يحدث حين ينتشلون أثراً غارقاً من قاع البحر ، أحست أولاً باهتزازات الحافلة على وجه الطريق الملئ بالبثور ، ثم لفحني الهواء الساخن (وكنت أنا الذي أجلس بجوار الشباك) ، وكان هو يقف إلى جوار كرسيي قابضاً بإحدى يديه على نصف شيكارة أسمنت تحوي ملابس العمل الرسمية ، وبيده الأخرى يجاهد لأ لّا يقع وسط اهتزازات الحافلة المجنونة ، الآن أتذكر العطش ، عطش قبل ساعتين من أذان المغرب ، وعطش من وقف في الشمس ساعة كاملة في انتظار حافلة تقله من مذينة 6 أكتوبر إلى أقرب مكان معمور ..
عندما عرضت عليه أن أحمل عنه الشيكارة ، تردد قليلاً ، ثم أعطاها لي بحرص كمن يعطيني وليده ، بأعجوبة وجد ليديه الناحلتين مكانا بين عشرات الأكف المتشبثة بعمود السقف ، والحافلة المتخمة بالبشر - الذين فضلوا التزاحم في الطرقة الضيقة عن الانتظار في الشمس الحارقة - لا تكف عن خفق الناس في باطنها ..
ما أذكره أنه بطريقة ما قد أصبح جالساً إلى جواري ، مد يده ليأخذ شيكارته ، ودون أن أسأله قال بود وابتسامة صافية :
- أصل فيها بدلة الشركة ..
هززت رأسي ببساطة كأني أفهم معنى كلامه ، وانشغلت عنه باسترجاع وصايا أمي الصارمة لي : الزبيب يجب أن يكون فاتح اللون ، و البندق ...
ولكنه كان مصراً على اقتحامي ..
- حكم إحنا غلابة يا بشمهندس ، ومنقدرش نجيب بدلة غيرها لو العهدة ده حصلها حاجة ..
كان يرتدي جلباباً أبيض مكرمشاً بشدة ، ولا أنسى عينيه الرماديتين ، احتواني من جديد وهو يقول :
ديك النهار يا بشمهندس عربية طسّت الواد سلامة ، بتوع الشركة جم وقلعوه البدلة وسابوه مرمي بدمه ع الطريق ، وقالوا لأهله إنه مش تبعنا و إن مالوش معاش ..
يوحي وجهه أنه من الذين كان من المفروض أن يكونوا الآن وسط قبيلة من الأحفاد يتقافزون حوله ويلعبون بعصاه وبعباءته الصوفية ..
- طب تديني كام سنة يا بشمهندس ؟
تلعثمت وابتسمت بارتباك لأداري حيرتي ..
تصدق بالله ، ومد لي كف يده الجاف المتشقق كلحاء شجرة الكافور ، غاصت يدي بين حنايا كفه الخشن ..
لا إلة إلا الله ..
- أنا لسه متمتش ال 43 .. !
أكمل عندما لمح عدم التصديق في وجهي ..
- متستهونش يا بشمهندس بشغلانة عامل النضافة ده ، ده بيتنيه 8 ساعات يكنس في الشوارع في عز نقرة الشمس ..
كان مصراً على أن يبوح بكل ماعنده ويقذفه في وجهي مرة واحدة ..
- أصل الشركة بنت ال(..........) ده مش راضية تعملنا عقود ، شغالين باليومية ، بنتقور طول اليوم تحت الشمس عشان 7 جنيه ، والنهاردة نقصوا 2 جنيه عشان اتأخرت على أتوبيس الشركة ديقتين فمشي وسابني ..
7 جنيهات في اليوم ليأكل منها هو و زوجه وابنه طالب الإعدادية ..
لفحنا الهواء الساخن من جديد ، تملكتني روح شيطنة مفاجئة :
- بس الحكومة بتقول إنها خفضت أسعار مكسرات رمضان السنادي ..
تخشب ، لم يبد عليه أنه سمع كلامي اصلاً ، ثم جلجلت ضحكته و سعاله بلا مقدمات حتى دمعت عيناه ..
- الحاجات ده مش للّي زينا يا بشمهندس ..
وببقايا البسمة على وجهه ، ثبت عينيه الرماديتين في عيني ، وبيقين حقيقي قال :
الحمد لله .

2 Comments:

At 6:50 PM, Anonymous مريم said...

بس 7 جنيه؟ 7 جنيه يا ظلمة
اه يابلد...ولسه مكتشفين ان سمير رجب كان عنده 3 جاكوزي في 3 حمامات موجودين في مكاتبه التلاتة في مبنى جريدة الجمهورية
لا و كمان 25 عربية من لحم الحي و التكية اللي اسمها المال العام

"وولاد الشوم ..رايحيين في النوم"
(أحمد فؤاد نجم)

 
At 1:12 AM, Blogger Ghada said...

أمال تقولي إيه لو عرفتي إن الامبراطور إبراهيم نافع كان بيوزع عربيات وتلفزيزنات وغسالات وخلافه في عيد ميلاد حضرته على المدعويين من مؤسسة الأهرام؟؟!!..

يا مين يشوف الناس في شوارعك يا مصر القديمة ويا سيدة زينب ويا دويقة!

 

Post a Comment

<< Home