Sunday, August 14, 2005



فراندة ذات شيش أصفر

كتبت: نوران



هل دخلت مكانا قبلا فشعرت بأن الحوائط ستتكلم لتخبرك بحواديت أصحابه؟؟

يخالجني هذا الشعور دائما عندما أكون في فراندة "ديدي"..و "ديدي" ليس صديقتي كما قد يظن البعض, و لكنها جدتي.. كنت أول أحفادها.. فناديتها كما حلا لحروفي الأولى..و التصق بها الاسم على مر الأحفاد..:)..

فراندة كبيرة ذات شيش أصفر و طرابزين ازرق.. تطل على الشارع الرئيسي و على حديقة كبيرة..بداخل الفراندة نفسها حديقة صغيرة.. أصص الزرع و الزهور تتراص كعائلة كبيرة..كبيرتهم هي شجرة الفل الهندي.. ترتفع شامخة حتى تكاد تلامس السقف..جذوعها متينة راسخة في الأصيص و أزهارها ذات الأوراق البيضاء الرقيقة ترسل بعطرها المحبب في الجو.. أقتطف واحدة فتوبخني أمي.. أجري لأختبىء في صدر جدتي فتقول لها: "سيبيها..هو احنا عندنا كام نونا؟" و يمكنني عندها الاحتفاظ بفلتي..أذكر حينما كنت أجر جدتي جرا نحو الفراندة في الشتاء متسائلة: "شجرة الفل أقرعت ليه؟"..فتجيبني ضاحكة.."موسمها في الصيف بس يا حبيبتي.." لا تقنعني الأجابة و أظل منتظرة حتى يأتي الصيف القادم لأشم عبير الفل مرة أخرى..

بعدها بأصيصين يفاجئك نمو ورقتي عنب من أحد الأصص المخصصة لنباتات الزينة..طالما حيرتني ورقتا العنب هاتان..ظللت أراقب و أراقب حتى اكتشفت أن جدي رحمه الله عندما كان يقزقز فاكهته المفضلة (العنب) كان دائما ما يرمي بذوره في هذا الأصيص.. رحل جدي و بقت الورقتان شاهدتان على أن "أحد سكان هذا المكان كان يحب العنب.."

ثم أكثر من خمسة عشر أصيصا يمتلئون بأنواع مختلفة من الزرع.. أميز منها فقط الورد البلدي.. و أنسى الأسماء المعقدة للبعض الآخر..

أطل من الفراندة على الشارع..في الصباح عيال مزوغة من المدرسة القريبة..الضهر الغدا على الطرابيزة البامبو اللي ياما اداني عليها جدي دروس الحساب.. بعديه كباية شاي العصرية.. في المساء عروس تدخل الاستديو القابع تحت الفراندة تماما.. تلوح على وجهها ابتسامة مشرقة يعكسها فستانها الأبيض.. أرد ابتسامتها و أدعو لها من قلبي.. يدخل الليل قليلا فأرى حراس عمر افندي يفترشون الأرض استعدادا لمناوبتهم.. يتسامرون و يرتشفون الشاي؛ ملقون بالتحية على من بالفراندة..بائع الذرة العجوز بجانب باب الحديقة.. من تقاليدي المقدسة في الصيف شراء كوز الذرة المتين من عم محمود و أكله في الفراندة..

جاء التكييف بعد وفاة جدي رحمه الله.. فلم يكن يوافق على أية وسيلة صناعية للتبريد.. "هنفطس يا يحيى".. "اقعدي في الفراندة يا ديدي.." فتجلس جدتي مغلوبة على امرها.. و بعد وفاة جدي بفترة.. ركبت جدتي التكييف الذي صبت إليه كثيرا.. و لكني لا أخفيكم سرا عندما أقول لكم على ما دار بين أمي و جدتي منذ أيام.. "تعالي يا ماما نقعد في التكييف.. هنفطس من الحر.." فتجاوبها جدتي بابتسامة شجية.."لأ تعالي نقعد هنا.. الفراندة أحسن.."..

9 Comments:

At 2:31 PM, Blogger BaVaLoVa said...

أنا حاسة إني شايفة فراندة جدتك قدامي. وصفك ليها حلو أوي
و أعتقد إني حمشي في الشارع بعد كدة مشعلقة راسي بدور عليها:)

 
At 6:21 PM, Blogger Nour said...

bavalova,
مرسي قوي على تعليقك الرقيق.. و عالعموم يا ستي أنا ممكن بدل ما تتعبي راسك في الشعلقة أقولك العنوان بس أنا شايفة ان كدة أكثر رومانطيقية :))))

 
At 5:09 AM, Blogger Hamed said...

كالعادة بتكتبي بإحساس صادق وبسيط قوي يا نور .. يا ريت نقرالك باستمرار حاجات جديدة مكتوبة بنفس الحميمية ده برده ..

 
At 8:21 AM, Blogger Sarwa said...

والله كأننا قاعدين معاكوا بنشم الفل و بناكل الدره
رائع

 
At 1:07 PM, Blogger Nour said...

Hamed, soso4ever

يا جماعة والله ما ببالغ لو قلت لكم ان كلامكم بيبقى ليه مفعول السحر عليا

بجد ميرسي جدا عالدفعة المعنوية :)

 
At 10:02 PM, Blogger KING TOOOT said...

أسلوبك رقيق و وصفك رومانسى جدا ً و أحساسك بالأشياء عالى و قلمك برىء بشده
أستمرى ولا تتوقفى عن الكتابه فأنتى موهبه حقيقية
KING TOOOT
kingtooot.blogspot.com

 
At 2:25 AM, Blogger Nour said...

KING TOOOT,

ميرسي جدا على تعليقك الرقيق و يا رب أكون عند حسن ظنكم دايما :)

 
At 9:12 AM, Blogger Doaa Samir said...

الله.. قلبي هف وشف ورفرف وترقرق وحاجات كتييير مش لاقية كلام أعبر بيه عنها.. فكرتيني ببيت جدو يا نور.. بس في البلد.. وخلتيني شميت بجد.. والله بجد.. شميت رائحة عطرة مميزة أشمها دائما كلما هبت نسمة حبيبة من مكان أو زمان أو فكرة أو أقصوصة أو صورة أو أي شيء حاضر جوانا واحنا مش عارفين ولا داريين بيه.. ونفاجأ إنه موجود وحي ونبضه هو اللي مخلي لنا قلب

شكرا لكِ على فسحة الروح اللطيفة دي

 
At 10:42 AM, Blogger Nour said...

دعاء

مش لاقية رد الحقيقة على كلامك الجميل ده غير ان الحمد لله ان عدد انهاردة اتأخر عشان اقرا تعليقك الحلو ده :)

 

Post a Comment

<< Home